كتاب معجم الأدباء = إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب (اسم الجزء: 3)

لأحسبك جبانا هدانا [1] قال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرا وشهدت مشهدا لا يبرح ذكره يتجدّد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملوم، فقال له عثمان: وأين كان ذلك وأنى؟ فقال: خرجت في صيّابة [2] من أشراف العرب وفتيانهم ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى بأكسائها [3] القيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان [4] ، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط [5] بنا السير في حمارّة القيظ، حتى إذا عصبت [6] الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه [7] وأذكت الجوزاء المعزاء [8] ، وذاب الصّيهد [9] وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضبّ في وكره، وجاوره في جحره، قال قائل: أيها الركب غوروا [10] بنا في ضوج [11] هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا [12] كثير الدغل دائم الغلل [13] ، شجراؤه مغنّة [14] وأطياره مرنّة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات [15] وأصبنا من فضلات المزاود [16] وأتبعناها الماء البارد. فلما انتصف حرّ يومنا ذلك وبينما نحن كذلك [17] ، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه [18] وفحص الأرض بيديه،
__________
[1] الهدان: الأحمق.
[2] الصيابة: الخيار والسادة.
[3] الاكساء: جمع كسأ، وهو مؤخر كل شيء.
[4] القيروانات.... العبدان: سقط من الطبقات والأغاني.
[5] اخروط: امتد.
[6] م: نضبت؛ وعصبت: يبس ريقها وجف.
[7] شالت: نشفت.
[8] المعزاء: الأرض الغليظة.
[9] الصيهد: شدة الحر.
[10] م: تجوزوا، وغوروا: انزلوا للقيلولة.
[11] الضوج، منعرج الوادي.
[12] الطبقات: قديديمتنا (يعني قدامنا) .
[13] الدغل: الشجر الملتف؛ الغلل: الماء الذي يتغلل الأشجار.
[14] م: صحراؤه؛ والشجراء: الأشجار المتكاثفة، مغنّة: فيها غنّة لطيران الذباب وتصويته.
[15] الكنهبلة: الشجرة العظيمة من العضاه.
[16] المزاود: أوعية الزاد.
[17] الطبقات: فإنا لنصف حرّ يومنا ذلك ومما طلته.
[18] صرّ أذنيه: حددهما.

الصفحة 1169