كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 1)

أما بالنسبة لتقبيل الحجر الأسود وهل هو من بقايا الوثنية؟.
قلت: فالإسلام دين التوحيد وقد دعا له من أول يوم ولم يكن يرضى بالأوثان والشركيات بل حاربها وطمسها فلو كان الحجر الأسود واحدا من بقايا الوثنية كما زعم المستشرقون لما أبقاه الإسلام.
فالحجر الأسود لم يكن في يوم من الأيام صنما من أصنام العرب ولا من أوثانهم ولم يقدسوه في يوم من الأيام فهل يعقل يترك الوثنيون عبادته وتقديسه ويفعله المسلمون!!!.
أما سر احترام هذا الحجر لأنه من بقايا بناء إبراهيم للكعبة المشرفة حتى إن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أظهر الدافع لتقبيل هذا الحجر أنه الاقتداء بسنة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حيث جاء إلى الحجر الأسود فقبله فقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو لا أني رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - قبلك ما قبلتك» ثم قال: «فما لنا والرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم اللّه ثم قال: شيء صنعه النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فلا نحب أن نتركه» «1».
فالتقبيل إذن أمر تعبدي خالص للّه سبحانه وتعالى وإن جهلنا سر ذلك التقبيل فهو من سنن الطواف بالبيت فكثير من العبادات تخفى أسرارها والمسلم مكلف بأدائها.
وشتان بين التوجه تعظيما قلبيا لحجر أو شجر أو مخلوق ما على سبيل العبادة، وبين أداء عبادة للّه سبحانه وتعالى وحده وطاعة له دون سواه إيمانا واحتسابا في زمن معين وبصفة معينة وفي مكان معين.
والنكتة في مقالة عمر - رضي اللّه عنه - هذه لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الحجر وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها، وكان العهد قريبا بذلك لذا بين أنه حجر مخلوق كباقي
______________________________
(1) انظر صحيح البخاري 2/ 160 كتاب الحج باب 50/ 57.

الصفحة 249