كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 1)
وكذلك المجوس والصابئة وغيرهم من المشركين فتقويمهم بجعل السنة طبيعية والشهر عدديا، أما ما جاءت به الشريعة الإسلامية هو أكملها وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها من الاضطراب؛ لأن رؤية الهلال أمر مشهور مرئي يدرك بالأبصار، فلا يضل أحد عن دينه، ولا يشغله مراعاته عن شيء من مصالحه، ولا يدخل بسببه فيما لا يعنيه، ولا يكون طريقا إلى التلبيس في دين اللّه كما يفعل بعض علماء أهل الملل بمللهم.
وما عليه الإسلام هو الأصل لكل الشرائع السابقة إلا أن أتباعها بدلوا كاليهود وعلقوا أحكامها باجتماع القرصين (الشمس والقمر) فإن اجتماعهما الذي هو تحاذيهما الكائن قبل الهلال هو أمر خفي لا يعرف إلا بحساب ينفرد به بعض الناس مع تعب وتضييع زمان كثير، واشتغال عما يعني الناس، وما لا بد له منه، وربما وقع فيه الغلط والاختلاف.
وكذلك كما عند بعض الناس أن يحسبوا بمحاذاة الشمس للبرج الفلاني أو الفلاني فلا يعرف كذلك إلا بحساب فيه كلفة وشغل عن غيره مع قلة جدواه.
ومن هنا يظهر أن أفضل المواقيت ما كان متعلقا بالهلال كما عليه المسلمون أما الحول فلم يكن له حد ظاهر في السماء فكان لا بد فيه من الحساب والعدد وتكون السنة مطابقة للشهور التي عددها موافق لعدد البروج التي تكمل بدور الشمس فيها سنة شمسية اثنا عشر شهرا بعددها. وإذا دار القمر فيها كمل دورته السنوية وبهذا كله يتبين معنى قوله تعالى: وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ «1» فإن عدد شهور السنة وعدد السنة بعد السنة إنما أصله بتقدير القمر منازل وكذلك معرفة الحساب فإن حساب بعض الشهور لما يقع فيه من الآجال ونحوها إنما يكون بالهلال. وكذلك قوله تعالى: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ «2».
______________________________
(1) سورة يونس آية (5) قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ. ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
(2) سورة البقرة آية (189).