كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 1)

عيسى - عليه السلام - في المهد «1».
قلت: إن ما زعمه «تسدال» من تعلم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من مارية القبطية أم ابنه إبراهيم جهل منه وذلك لأن مارية سرية رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أهديت له سنة سبع من الهجرة والمعروف أن سورة مريم قد نزلت قبل قدومها حيث قرأت على النجاشي أثناء هجرة المسلمين للحبشة.
ولم يعلم تاريخيا أن مارية كانت عالمة بالنصرانية ولا عندها اهتمام بنشر تعاليم النصرانية بل إن اللّه سبحانه شرح صدرها للإسلام وأسلمت من أول أمرها «2».
أما صرف الكلام في المهد لشجرة التين فهذا أمر لا يقول به عاقل حيث كلامه بعد الثلاثين أمر ليس فيه خلاف وخطابه لشجرة التين أمر شهده بعض تلاميذه كما في نفس الإنجيل وهو من جملة معجزاته المشهودة والكثيرة.
أما أمر كلامه في المهد الذي أنكره «تسدال» فهو حقيقة لا توهم. ومن يعرف حقيقة النصرانية، وولعها الشديد بالدعاوي التي ترى أنها في صالح فرية تأليه المسيح - عليه السلام - من يعرف ذلك يستغرب إهمال كتب النصارى التي بين أيديهم اليوم الواقعة مثل واقعة كلامه - عليه السلام - في المهد يوم أن برأ ساحة أمه البتول الطاهرة مما رماها به المفترون يوم أن أكرمها اللّه سبحانه بأن تكون أما لأحد أولي العزم من الرسل، ويوم أن اصطفاها وطهرها على نساء العالمين، ورفع ذكرها وأعلى مقامها في الملأ الأعلى وفي جنات النعيم.
إن النصارى يصرون على أن يجعلوا من رسول اللّه عيسى - عليه السلام - إلها أو ابن إله، وهم لا يدخرون وسعا لإثبات ذلك حتى وإن اصطدم مع البداهة، وعارض كل منطق أو حجة. فلما ذا إذا لم تذكر واقعة حديثه في المهد
______________________________
(1) انظر مصادر الإسلام لتسدال ص 124.
(2) انظر الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 391.

الصفحة 306