كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 1)
والقصة أن عيسى - عليه السلام - جلس يوما مع غلمان من الكتاب فأخذ طينا ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طيرا. قالوا: وتستطيع ذلك قال:
نعم. بإذن ربي. ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطير نفخ فيه ثم قال كن طائرا بإذن اللّه. فخرج يطير بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم فأفشوه في الناس وترعرع .. ) «1».
والمسلمون لا ينكرون ولا يستغربون مثل هذه الآيات كما وقع في ذلك النصارى لأنهم مؤمنون باللّه وقدرته ورسله وما يسرّ لهم من معجزات فعيسى - عليه السلام - رسول من اللّه عز وجل وأيد بمثل هذه المعجزات دلالة على صدقه، والمعجزات خارجة عن نواميس البشر المعروفة عندهم دالة على صدقه في البلاغ عن ربه، والمنكر عليه أن يأتي بمثلها وإلا فليسلم.
وعدم ثباتها عندهم، عهدته على مصادرهم التي دخلها النقصان والزيادة والتحريف والتبديل أما كتابنا الذي ينطق بالحق فقد حفظ من كل ذلك كما سبق أن بينت.
وخلق عيسى من الطين طيرا لا يوصله لأن يكون إلها كما ظنت النصارى وصرح بذلك قساوستهم وذلك لأن هناك فروقا بين خلق الخالق والمخلوق: - 1 - أن صنعة البشر حين يخلق، فإنما يخلق من موجود، أما اللّه تعالى فحين يخلق فإنما يخلق من عدم، وهذا ما حصل مع عيسى - عليه السلام -.
2 - اللّه تعالى حين يخلق يعطي خلقه سرا لا يستطيع البشر إعطاءه لما يخلقونه، يعطيه سر الحياة التي بها النمو والتكاثر «2» وعيسى - عليه السلام - كان يخلق بإذن اللّه الذي هو صاحب هذا السر وهذا ما نص عليه القرآن الكريم واللّه يمنح نعمه وإفضاله لمن شاء من خلقه.
______________________________
(1) انظر تفسير الطبري 3/ 275، وإنجيل الطفولة العربي - 110 نقلا عن مصادر الإسلام ص 125.
(2) مريم والمسيح ص 46.