كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 1)

فعيسى - عليه السلام - لما كان يشكل ويصنع من الطين طيرا كان هذا الطير يبقى جامدا على حاله حتى يدب اللّه سبحانه فيه الحياة ويكون طيرا بإذن اللّه تعالى.
وإيراد القرآن لمثل هذه المعجزات التي لعيسى - عليه السلام - شبيهة بإحيائه الأموات والذي هو وارد عندهم في الإنجيل في أكثر من مكان ولأكثر من واحد لدليل على صدق هذا الكتاب وما جاء فيه وحفظه من أن يمس بأي تغيير أو تبديل.
وخلق الطير من الطين فيكون طيرا بإذن اللّه تعالى لا يبعد كثيرا عن إحيائه لمن سلب سر الحياة فيعود حيا مرة ثانية فكلاهما إحياء لميت «1».
والأمر ليس بهذه الدرجة من الغرابة كما يتصور المستشرقون فأي إنسان يستطيع أن يشكل طيرا من الطين، لكن المعجزة في بقية الآية فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ «2» تعالى فليس كل واحد بعد ذلك ينفخ فيما شكله فيكون طيرا بإذن اللّه تعالى لكنها خاصية لرسل اللّه عليهم السلام.
وإذا استغرب «تسدال» مثل هذا العمل فقد وقع لإبراهيم - عليه السلام - مثله في بعض الحيوانات حيث شقها نصفين كالأربعة من الطير التي ذكرها القرآن فعادت كما كانت «3». وإن كان في العهد القديم الأمر إشارة لهذا فقط دون تمام القصة «4».
وقد اعترف بهذه المعجزة القس «فندر» أحد علماء النصرانية الذين كانوا في الهند مشتغلين بالجرح والطعن في الإسلام في كتابه (ميزان الحق) حيث استدل بها على ألوهية المسيح لأن صفة الخلق من صفات اللّه تعالى وحده «5» وقد
______________________________
(1) انظر إنجيل متى الإصحاح (19) فقرة 18 - 36.
(2) سورة آل عمران (49).
(3) سورة البقرة: (260).
(4) انظر الكتاب المقدس - سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر فقرة 11، وما بعدها.
(5) انظر أدلة اليقين. ص 362 - 363.

الصفحة 311