كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 2)

وأهل العربية يحسون جمال الفاصلة القرآنية بفطرتهم وذوقهم السليم، فقد ذكر الجاحظ في البيان والتبين قصصا تؤكد هذا فقد روى قائلا [حدّثوا أن رجلا في عهد عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - قرأ «فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعملوا أن اللّه غفور رحيم» «1» فقال أعرابي لا يكون، وفي رواية أخرى أنه قال: إن كان هذا كلام اللّه فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه] «2».
هكذا تعليق أعرابي عرف الفاصلة بفطرته وطبعه وسليقته وسجيته ولم يتخرج من جامعات هؤلاء المستشرقين الذين يزعمون أن القرآن مجرد إنشاء جاء بطريقة عشوائية مستدلين على صحة دعواهم بالفواصل القرآنية وأن بعضها لا حاجة لها، ولا علاقة لها بما قبلها، وإنما وضعت لتتميم السجع والقافية - على حسب زعمهم - ونحن لا ننكر أن بعض النهايات قد ختمت بما ختمت به الأخرى كقوله تعالى: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ. ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «3».
ولكن أمثال هذه الفواصل خاضعة لنظام دقيق، حيث إن كل فاصلة قرآنية جاءت متسقة، متناسبة كل التناسب مع معنى الآية وموضوعها، وسياقها الذي تتحدث فيه، وغرضها الذي جاءت من أجله كما ذكرت وليس هذا من باب العبث والعشوائية.
والفاصلة القرآنية من حيث إدراك سر الختم بها على أنواع:
فمنها سهلة الفهم، ولا تحتاج لجهد كبير، وعناء كثير، ومثال ذلك قوله تعالى: إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ «4».
______________________________
(1) سورة البقرة: 209.
(2) قضايا قرآنية ص 80 - 81.
(3) سورة النحل: (96 - 97).
(4) سورة القصص: (76).

الصفحة 597