كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 2)
وقوله تعالى: ولا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ «1».
وهناك نوع آخر من الفواصل القرآنية بحاجة إلى نوع من الفكر، وسيجد الفكر فيه ضالته وكلا النوعين من مظاهر الإعجاز وآيات البيان، ومثال هذا النوع قوله تعالى: واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأَطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «2».
فلما تحدثت الآية الأولى عن الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم، وهو أن يتقوه ويعبدوه، وتلك قضية خاصة بكل فرد، ترجع إلى ما في قلبه وإلى باطنه، ولذا ختمت إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «3».
أما الآية الثانية فقد أمر اللّه سبحانه فيها المؤمنين بالعدل مع أعدائهم وتلك قضية ظاهرة يطلع عليها الناس، ولذا ختمت بقوله: خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «4».
وسأنقض شبههم على بعض الآيات فقد زعم بعض المستشرقين أن الفاصلة القرآنية: واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أو إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ لا علاقة بينها وبين ما قبلها، وأنها وضعت فقط لتتميم السجع والقافية «4».
فلا يوجد منصف وعاقل يدعي أن هذه الفاصلة غير متصلة بما قبلها، أو أن أي فاصلة يمكن أن تصلح بدل هذه الفاصلة. فاللّه سبحانه يخاطب المؤمنين وقد كتب عليهم القتال والجهاد ويبين أن أمر المستقبل لا يدركونه هم، فربما يكرهون شيئا يكون فيه خيرهم، وربما يحبون شيئا تكون نهايته شرا لهم ووبالا
______________________________
(1) سورة القصص: (77).
(2) سورة المائدة: (7 - 8).
(3) قضايا قرآنية ص 87.
(4) قضايا قرآنية ص 74.