كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 2)

تفهمها إلا من لسان آخر. فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش، وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب وسفر عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية، غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمية، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي ما فلجهله الصريح بما في لغة غيره، كما لم يعرف ابن عباس معنى «فاطر» إلى غير ذلك.
فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية من هذا الوجه.
وما ذهب إليه «الطبري» من أن اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد بل أحدهما أصل والأخرى فرع في الأكثر، لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا] «1».
والذي يرد مزاعم هؤلاء المستشرقين من أن العرب حافظوا على لغتهم بكل ما منحوا من براعة وقوة. وتتمثل هذه المحافظة بوسيلتين:
1 - بالمحافظة على العربية بحيث لا يتسرب لها ما هو بعيد عنها وأجنبي منها.
2 - بالمحافظة عليها بالعناية بمفرداتها والرجوع بها لأصل اشتقاقها.
لذا لم يحتجوا بكلام إلا من سلم لسانه من اللحن والعجمة.
______________________________
(1) المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - لابن عطية الأندلسي 1/ 36 - 37.

الصفحة 610