كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 2)

وكذبه بعضهم وبقوا على الكفر، وما وقع منهم كتكذيب بعضهم طالوت بعد أن طلبوا من اللّه أن يجعل لهم ملكا فجعله فعزى اللّه رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد فقال: هؤلاء الرسل الذي كلم اللّه بعضهم، ورفع درجات بعضهم، وأيد عيسى - عليه السلام - بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فكان المقصود من هذا كله تسكين رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - على إيذاء قومه له «1».
ولما كان المال شقيق الروح، وهو نوع من الجهاد. كما أنه سبق قبل هذه الآيات ذكر آية البر التي جمعت خصال البر كلها؛ لذا نرى بعدها التنويه بفضيلتي الإنفاق والجهاد يردد في أكثر من آية في مطالع الآيات ومقاطعها، في إجمالها وفي تفصيلها ترديدا ينادي بأنه هو المقصود الأعظم، «2» لأنه به تصان العقيدة ويسهل الطريق أمام الدعاة وهو يحفظ ميراث النبوة الأعظم.
فجاءت الآيات مؤكدة هذا المقصود وهذا التشريع الرباني الحكيم. ولما ذكر الاختلاف والاقتتال والبذل في سبيل اللّه بعد مجيء البينات والإيمان ناسب بعد هذا كله أن يذكر آية تتضمن قواعد التصور الإيماني وتذكر من صفات اللّه - سبحانه - ما يقرر معنى الوحدانية في أدق مجالاته، وأوضح سماته وهي آية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «3».
ثم انتقل لبيان طريق المؤمنين وواجبهم تجاه هذه العقيدة ورسم أفضل السبل في إيصالها للخلق بالحكمة والموعظة الحسنة وبعدم إكراههم عليها لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ «4» لأن الأصل في قضية العقيدة أن تكون اقتناعا بعد البيان
______________________________
(1) التفسير الكبير 3/ 210، والبحر المحيط 2/ 276 - 277.
(2) النبأ العظيم - دراز ص 204 وما بعدها.
(3) سورة البقرة: 255.
(4) سورة البقرة: 256.

الصفحة 690