كتاب آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره (اسم الجزء: 2)
فالتفسير الصوفي النظري تفسير يخرج بالقرآن - في الغالب - عن هدفه الذي يرمي إليه حيث يقصد القرآن هدفا معينا بنصوصه وآياته، ويقصد الصوفي هدفا معينا بأبحاثه ونظرياته.
وقد يكون بين الهدفين تنافر وتضاد فيأبى الصوفي إلا أن يحوّل القرآن عن هدفه ومقصده إلى ما يقصده هو ويرمي إليه، وغرضه بهذا كله أن يروّج لتصوفه على حساب القرآن وأن يقيم نظرياته وآراءه على أساس من كتاب اللّه سبحانه، وبهذا الصنيع يكون الصوفي قد خدم فلسفته ونظرياته التصوفية، ولم يقدم للقرآن شيئا إلا هذا التأويل الذي كله شر على الدين، وإلحاد في آيات اللّه.
فابن عربي والحلاج وأبو يزيد البسطامي، وغيرهم من رءوس التصوف مالوا ببعض الآيات القرآنية إلى ما ذهبوا إليه من القول «بوحدة الوجود» والتي يقصدون بها: أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فاللّه سبحانه هو الموجود بحق وكل ما عداه ظواهر وأوهام، ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز.
هذا المذهب الذي دفع الحلاج أن يقول [أنا اللّه]. وابن عربي أن يقول:
[إن عجل بني إسرائيل أحد المظاهر التي اتخذها اللّه عز وجل وحل فيها].
والذي جره فيما بعد إلى القول بوحدة الأديان وأنه لا فرق بين ما هو سماوي وبين غير السماوي إذ الكل يعبدون الإله الواحد المتجلي في صورهم وصور جميع المعبودات.
وقد حمل ابن عربي كثيرا من الآيات القرآنية على نظريته هذه فمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ «1» فقال ما نصه:
[فعلماء الرسوم يحملون لفظ «قضى» على الأمر، ونحن نحمله على الحكم كشفا وهو الصحيح. فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى اللّه زلفى فأنزلهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من انتسابهم، وما تم صورة الألوهية
______________________________
(1) سورة الإسراء: 23.