والأخذ بأسباب النجاح والفلاح فى الدنيا والآخرة، حتى يعودوا كما كان أسلافهم " يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة ".
وما أشار إليه هذا الحديث قد صرح به حديث آخر فقال -صلى الله عليه وسلم-: " إذا تبايعتم بالعينة (¬1)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " (¬2).
فتأمل كيف اتفق صريح قوله فى هذا الحديث " لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " مع ما أشار إليه الحديث الأول من هذا المعنى الذى دل عليه كتاب الله تعالى أيضاً، وهو قوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
فثبت أن هدف الحديث إنما هو تحذير المسلمين من الاستمرار في " حب الدنيا وكراهية الموت "، ويا له من هدف عظيم لو أن المسلمن تنبهوا له وعملوا بمقتضاه لصاروا سادة الدنيا، ولما رفرفت على أرضهم راية الكفار، ولكن لا بد من هذا الليل أن ينجلي، ليتحقق ما أخبرنا به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فى أحاديث كثيرة، من أن الإسلام سيعم الدنيا كلها، فقال عليه الصلاة والسلام:
" ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر " (¬3).
¬__________
(¬1) هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه نقداً بأقل من الثمن الذي باعها به.
(¬2) أخرجه أبو داود (2/ 100) وأحمد (رقم 4825، 5007، 2562) والدولابي في " الكنى " (52) والبيهقي (5/ 316) من طرق عن ابن عمر، صحح أحدها ابن القطان، وحسن آخر شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى " (3/ 32، 278).
(¬3) أخرجه أحمد (4/ 103) والطبراني في " المعجم الكبير " (1/ 126/2) والحاكم (4/ 430) وابن بشران في " الأمالي " (60/ 1) وابن منده في " كتاب الإيمان " (102/ 1) والحافظ عبدالغنى المقدسى في " ذكر الإسلام " (126/ 2) من طريق أحمد عن تميم الداري مرفوعاً. =