منه إذا حان وقت انصرافهم، وأراد أن يكمل بحثه أن يغلق أبوابها إذا أراد الانصراف، وكان كثيرون من روادها يظنونه موظفاً من موظفيها لطلول مكثه فيها.
وقد بلغ الذروة في الصبر والتحمل حينما صام أربعين يوماً متواليات ليلاً ونهاراً عن كل شيء إلا الماء تطبباً، وطلباً للشفاء من بعض الأمراض التي كان يعاني منها، بعد أن قرأ كتاباً لأحد الأطباء يشرح فيه أن كثيراً من الأمراض يشفى منها بالصوم، فكان -رحمه الله تعالى- يواظب خلال هذه المدة على عمله ودروسه وتأليفه، ويمارس كل النشاط الذي كان يقوم به في الأيام العادية، بما في ذلك الأسفار وإلقاء الدروس والمحاضرات، وإن هذا -لعمر الله- قمة في مضاء العزيمة، والصبر على المكاره، وعجيبة من عجائب الدهر.
3 - زهده وميله للبساطة وعدم التكلف:
وهذا خلق من أخلاق النبوة، فقد آثر الآخرة على الأولى، ولذلك كان يقنع بالقليل من الرزق، ويكتفي بالميسور من الطعام والمتاع، ولا يعتاد التنعم والرفاه، كما زهد في المناصب، وترفع عن التزلف لأصحاب الجاه والغنى والسلطان، بل كان عزيز النفس لا يطلب من أحد شيئاً ولو كانت به حاجة، كما كان يؤثر الابتعاد عن المناسبات الرسمية والأضواء، ويؤثر البساطة والعيش مع كتبه وطلابه ودروسه، ولا يتركها إلا مكرهاً، كما أنه تجنب الصحافة والإذاعة المسموعة والمرئية مع أنه دعي للظهور فيها، وذلك لما يرى فيها من التكلف والتصنع الذي يمجه بفطرته، ولما يوجد في كثير من وسائل الإعلام من تحريف وبتر للكلام وتشويه ومخالفة للأمانة في النقل.
4 - أمانته العلمية وإنصافه:
وهذه صفة عزيزة تقتضي من العالم الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه،