وما فيها وأقبل على كنوز من نوع آخر، فكانت كنوزه -والله- أعظم وأنفع للناس من معادن الذهب والفضة ومن اللؤلؤ والمرجان، إنها كنوز السنة ونفائسها، لقد من الله على الأمة بهذا الفذ فنصر السنة ونفض عنها غبار القرون، وأخرجها لآليء تنير للعيون، وسطرها درراً، وحارب بها بدعاً، ورد بها عن الأمة شراً، ودرأ بها شرراً وذب عنها ما ليس منها، وذاد عن حماها الدخيل والموضوع فأرسى للسنة أعلامها، ووطأ للناس أكنافها، وماز صحيحها من سقيمها، ومعلولها من سليمها، وشاذها من محفوظها، ومنكرها من مقبولها، وعاد بها إلى فهم السلف الصالح خير القرون وحارب بها المؤولين، والمشبهين، والمقلدين الجامدين، والمستبدين الظالمين، والعلمانيين الوقحين، والمبتدعين الهدامين، فهو يبني ويهدم، يبني السنن، ويهدم البدع، رفع السنة فرفعته، وأعلى شأنها فأعلت شأنه، بعد قرون عجاف تكالبت فيها الأمم على الإسلام وأهله، وتقاعست فيها الهمم فلا ناصر ولا معين إلا رب العالمين، عاش الألباني للسنة فعاش بها، وأراد أن تكون للسنة هيبتها فعلته هيبة السنة، ولم يقدم عليها قول أحد كائناً من كان، فلم يتقدم عليه أحد كائناً من كان، فلولا السنة ما عرفنا الألباني، ولولا الألباني ما عرفنا السنة مما ليس من السنة، عرفها فعرفنا بها، فعرفتنا به -رحم الله الألباني-، لقد كان جهبذاً حقاً، لقد كان من الجهابذة الذين أشار إليهم الإمام الجليل عبد الله بن المبارك لما قيل له: " هذه الأحاديث المصنوعة؟ " قال: " يعيش لها الجهابذة، ولكن الجهابذة قليلون ".
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: لما لم يمكن لأحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول الله، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ الله علماء يذبون عن النقل، ويوضحون الصحيح، ويفضحون القبيح، وما يخلي الله منهم عصراً من الأعصار غير أن هذا الضرب قل في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب: