كتاب كتاب مقالات الألباني

والذي أراه أن (الاجتهاد) ليس عسيراً كما يظن البعض بل هو ميسور لمن كان عنده أهلية الخطاب، وفهم أدلة ما يحتاجه من أدلة الكتاب والسنة، وبتعبير آخر إن الذي عنده أهلية لفهم كتب المذاهب وعباراتهم، سيما ما كان منها للمتأخرين فإنها تشبه الألغاز أحياناً، يستطيع أن يفهم كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإنهما بدون ريب أبين وأوضح من كل ما سواها من الكلام، خصوصاً إذا استعان على ذلك بكتب أهل العلم من التفسير، وشروح الحديث، وبمبسوطات الفقه، التي تتعرض لذكرأدلة المختلفين، كالمجموع للنووي، وفتح القدير لابن الهمام، ونيل الأوطار للشوكاني ونحوها، ومن أنفعها كتاب " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " للعلامة ابن رشد، فإنه إنما ألفه لإعداد طلاب العلم للوصول إلى رتبة الاجتهاد، كما صرح بذلك في الكتاب نفسه (¬1).
¬__________
= " أما في هذا الدور الذي سرت فيه روح التقليد، فقد جرهم ذلك إلى الدفاع عن مسائل أئمتهم كما قلنا، وطلب منهم الأمراء أن يجولوا أمامهم في ميدان المناظرة، فجرهم ذلك الى ما سخطه الإمام الغزالي، والى تعصب كل فريق لما يدافع ويجادل عنه، واعتداده خصماً كما يعبر بذلك عنه. ونزل فريق منهم الى العداء وتبعهم في ذلك العامة، وكاد يصل به الأمر إلى تحريم أن يقتدي أحد في الصلاة بمخالفه في المذهب اعتماداً على قاعدة لا ندري متى وجدت وهي أن العبرة في الاقتداء بمذهب المأموم لا بمذهب الإمام، ومن المعلوم أن كثيراً من صلاة الشافعية لا تصح في نظر الحنفي، فإن الشافعي لا يتوضأ من خروج الدم من جسمه لأن ذلك لا ينقض الوضوء عند إمامه، وكذلك الحنفي لا يتوضأ من مس امرأة أجنبية لأن هذا لا ينقض الوضوء عنده، وبذلك وأمثاله يوجد الشك في قلب المأموم إذا اقتدى بمخالفه في المذهب، ولا ندري كيف قالوا ذلك مع تسامح الأئمة في الاجتهاد، والخلاف، واعتبار أن ما أدى اليه اجتهاد المجتهد واجب أن يعمل به في حقه، ولا يجوز أن يتعداه إلى غيره، فمقتضى تلك النظرية أني أعتبر صلاة كل مجتهد صحيحة، ويخرج من ذلك أن العبرة في الاقتداء بمذهب الإمام لا بمذهب المأموم، ولكن التعصبات المذهبية أرادت أن تؤكد الفصل بين الجماعات ".
(¬1) قال ابن رشد (2/ 160 - 161): " فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد إذا حصل =

الصفحة 47