ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " (¬1) ولكن ليس معنى ذلك أنه يسوغ لنا وصف المحدثين إطلاقاً بعدم الفقه، كما هو ظاهر عبارة الشيخ، فإن الحديث المذكور صريح في ردها حيث قال: " رب حامل فقه ليس بفقيه. . . " فأشار إلى قلة ذلك في المحدثين، لأن الأصل في " رب " أنها للتقليل، وكيف لا يكون الأصل في حق المحدثين ما ذكرناه، وهم ممن عاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (¬2) قال ابن المديني: هم أصحاب الحديث، والذين يتعاهدون مذهب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويذبون عن العلم، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الأرجاء والرأي (¬3).
ثم إنما تظهر الفائدة من التفريق بين معرفة الحديث، وبين استنباط الأحكام منه والتفريق بين المحدث والفقيه في مسألة اختلف فيها الطرفان ودليل كل منهما هو عين دليل الآخر، وإنما الخلاف في فهمه وتطبيقه، ففي هذه الصورة يمكن ترجيح رأي الفقيه على رأي المحدث، وهذا على كل حال بالنسبة للمقلد الذي لا معرفة عنده بطرق الترجيح! وأما بالنسبة للمتبع فقد يترجح عنده رأي المحدث على رأي الفقيه لأدلة ظهرت له.
وأما إذا كان منشأ الخلاف بين الطرفين إنما هو اختلاف الدليل فأحدها يحتج بالحديث والآخر بالرأي والقياس أو بحديث ضعيف،
¬__________
(¬1) رواه أحمد (5/ 183) والدرامي (1/ 75) وغيرهما، عن زيد بن ثابت، بسند صحيح.
(¬2) رواه مسلم (6/ 52 - 53) عن ثوبان، والبخاري عن معاوية، وروى الحاكم في " معرفة علوم الحديث " (ص 2) بإسناد صحيح كما قال الحافظ في الفتح (13/ 250) عن الإمام أحمد أنه قال في معنى هذا الحديث: " إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم " وروى الترمذي وغيره عن ابن المديني قال: " هم أصحاب الحديث "، وبه جزم البخاري كما في الفتح (1/ 134).
(¬3) رواه نصر المقدسي في " الحجة على تارك المحجة " كما في " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " للسيوطي (ص/ 48).