59…
مقدمة
تعتبر الآبار الجوفية المصدر الرئيسي لمياه الشرب في الجزيرة العربية على مدى التاريخ، حيث لا تجرى أنهار، ولا توجد بحيرات عذبة، والعيون الجارية قليلة العدد ومحدودة المكان حيث لا توجد إلا في بعض التلاع ومضائق الجبال. وكان يشرب أهل المدينة المنورة قديمًا من الآبار التي تنتشر فيها عن طريق النزع بالدلاء حتى أجرى مروان بن الحكم عين الأزرق في عهد الخليفة معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه من قباء إلى المدينة، وفُتِحَ لها خرزّا في كل حي وعند المسجد النبوي حتى يستقى الناس بالمغاريف، وعملت ميضاءات يتوضئون منها. ومع هذا بقيت الآبار يستقى منها الناس الذين يسكنون الأحياء بعيدين عن مجرى عين الأزرق، ويسقون المزارع والمواشي منها. وبقى بخاصة بعض الآبار التي أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه شرب منها، وتوضأ منها، ودعا لها، وظلت على مر الأزمان تشتهر بعذوبة مائها، وحب الناس لها لما ورد فيها من الأحاديث من كونها صدقة جارية باركها النبي صلى الله عليه وسلم أو عين من عيون الجنة أو ورد فيها أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي العهد السعودي الزاهر تولت إدارة عين الزرقاء، ثم مصلحة مياه المدينة بعد ذلك حفر الآبار وتنظيم المياه وتجميعها في خزانات وتزيعها للبيوت عبر شبكات ضخمة من الأنابيب التي وصلت إلى كل بيت ولله الحمد، وكان جل اعتمادها على الآبار التي تحفرها أو الآبار التي تشترى ماءها من أصحابها بموجب عقود شراء طويلة الأجل. ثم جاء التطور المذهل والقفزة في توفير المياه عن طريق تحلية مياه البحر التي أخذت تتدفق إلى المدن من البحر الأحمر ومن الخليج العربي بكميات ضخمة قد تتضاءل أمامها مياه الأنهار في دجلة والفرات، وذلك بفضل الله…