كتاب إبطال التأويلات
وإن لَمْ يكن حياته وبقاءه عرضين كحياتنا وبقائنا، كذلك فِي النفس فإن قِيلَ: فأثبتوا لَهُ روحا لأَنَّهُ قد وصف نفسه بذلك، فَقَالَ تَعَالَى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} قيل: لا نثبت ذلك، لأَنَّ السمع لَمْ يرد بذلك عَلَى وجه الصفة للذات، وقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} المراد به أمره، لقيام الدليل عَلَى أن صفات ذاته لا تحل المحدثات، ويفارقهَذَا إثبات النفس، لأَنَّهُ ليس فِي إثباتها مَا يحيل صفاته وَلا يخرجها عما تستحقه لما ذكرنا فإن قِيلَ: ليس المراد بالنفس ها هنا إثبات صفة، وإنما المراد بذلك الذات، كَمَا تقول العرب: هَذَا نفس الأمر، ويريدون به إثبات الأمر لا أن لَهُ نفسا، وقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} معناه: عقوبته، وقيل: إياه، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} أي فِي غيبي {وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} أي غيبك، وقيل فِي قوله: {وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} يرجع إِلَى نفس عِيسَى، وأضاف نفسه إِلَى اللَّه من طريق الملك والخلق، فيكون معناه: لا أعلم مَا فِي ملكك مما خلقته إِلا مَا أعلمتني، وقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ} معناه: كتب عَلَيْهِ، وقوله: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} معناه: اصطنعتك لذاتي أو لرسالتي، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذكرته فِي نفسي " معناه: أخفيت ثوابه كَمَا أخفى ذكري فِي نفسه، وَمِنْهُ قوله تَعَالَى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخبارا عَن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: " أعددت لعبادي الصالحين مالا عين