كتاب أحاديث العقيدة التي يوهم ظاهرها التعارض في الصحيحين دراسة وترجيح

فإذا تضرر الإنسان من شىء أبيح له تركه، بل قد يجب ذلك.
٢ - أنه يكون لصفة مذمومة موجودة في الشىء، بخلاف التطير الممنوع فإنه يكون لسبب خارج عن الشيء غالبًا، كمن ترك السفر لا لشيء في السفر وإنما لأنه رأى طيرًا فتشاءم منه فهذا الترك ممنوع وأما الأول فمباح.
٣ - أن الأثر المترتب على التشاؤم من هذه الأشياء هو تركها ومفارقتها مع اعتقاد أن الله تعالى هو الخالق الفعَّال لما يريد بيده النفع والضر سبحانه، وأن هذه الأشياء ليس لها بنفسها تأثير، وإنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله تعالى فيها من الخير والشر، ويدل على هذا قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث: "الشؤم في ثلاث" لأن "في" للظرفية كما هو معلوم.
كما يدل عليه أيضًا حديث أنس رضى الله عنه قال: قال رجل (¬٨): يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا وقلت فيها أموالنا، فقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "ذروها ذميمة" (¬٩).
فإنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمرهم بالتحول عنها لِما رأى فيهم من الكراهة لها ووقوع الضرر وتكرره فيها مما نتج عنه استثقالهم لها، فأمرهم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالتحول ليزول ما في نفوسهم من الكراهة، لا لأجل أَنَّها سبب في ذلك.
---------------
(¬٨) وفي بعض الروايات "امرأة"، كما عند مالك.
(¬٩) أخرجه أبو داود (عون ١٠/ ٣٠٠)، ح (٣٩١٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٩٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٩١٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٤٠٧)، ح (١٩٢٦) وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٦٨) وقال: هذا محفوظ من وجوه منها حديث أنس.
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٧٤٣)، ح (٣٣٢٢)، وكذلك حسن إسناده شعيب الأرنووط في تحقيقه لشرح السنة (١٢/ ١٧٩).

الصفحة 128