كتاب القواعد النورانية

تَرَكَ» ، فَأَدْخَلُوا فِيهِ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَالْحَلِفَ بِاللَّهِ. وَإِنَّمَا لَمْ يُدْخِلْ مالك وأحمد وَغَيْرُهُمَا [الْحَلِفَ] بِالطَّلَاقِ مُوَافَقَةً لِابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ إِيقَاعَ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِحَلِفٍ، وَأَمَّا الْحَلِفُ الْمُنْعَقِدُ: مَا تَضَمَّنَ مَحْلُوفًا بِهِ وَمَحْلُوفًا عَلَيْهِ: إِمَّا بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَإِمَّا بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ، أَوْ مَا كَانَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ بَيِّنَةٌ عَلَى أُصُولِ الشَّافِعِيِّ وأحمد وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا عَلَى التَّكْفِيرِ فِيهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ، وَكَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ عَامًّا فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ وَالْيَمِينِ بِالنَّذْرِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ لِنَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فِي الْحَجِّ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِمَا سَوَاءٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْيَمِينُ بِاللَّهِ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مُطْلَقِ الْيَمِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوِ الْإِضَافَةِ - فِي قَوْلِهِ: عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ، وَتَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ - مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمِينِ الْمَعْهُودِ عِنْدَهُمْ، وَهِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعُمُّ اللَّفْظُ إِلَّا الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، وَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ. وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْيَمِينُ الَّتِي لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، كَالْيَمِينِ بِالْمَخْلُوقَاتِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ فَلْيَصْمُتْ» .

الصفحة 332

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text