كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (اسم الجزء: 3)

وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام- بينها وبين الرسول، قالت عائشة: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في جانب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: 1] (1) . وقال تعالى لموسى وهارون: "لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى" [طه: 46] وقال: "أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" [الزخرف: 80] " (2) .
فالله تعالى إذا خلق العباد فعلموا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن (3) . خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف- الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر- بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط.
وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة حين يذكر ردود بعضهم على بعض - وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم-.
__________
(1) رواه أحمد (6/46) ، والبخاري تعليقا في كتاب التوحيد، باب وكان الله سميعا بصيرا (الفتح 13/372) ، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (5/339-339) وصححه ورواه ابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ورقمه (188) ، والنسائي كتاب الطلاق، باب الظهار، ورقمه (3460) - ترقيم أبي غدة-، والحاكم في المستدرك (2/481) ، وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي عاصم في السنة رقم (625) ، وحسنه الألباني في الظلال، والبيهقي في السنن الكبرى- كتاب الظهار، باب سبب نزول آية الظهار (7/382) ، وابن جرير في تفسيرهـ سورة المجادلة- آية (1) . والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وفي إرواء الغليل (7/175) .
(2) الرد على المنطقيين (ص: 465) .
(3) انظر: مجموع الفتاوى (6/228) .

الصفحة 1063