والغالب على كل الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قبل فيه: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ} (البقرة: من الآية78) ، وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.." (¬1) .
وهذه مشكلة المتكلمين دائما يظنون أن قول هذه الطائفة - وقد يكون لها وجود - هو مذهب السلف، وهو ما يعبرون عنه بالتفويض وهذا من الأخطاء الكبرى التي انتشرت وارتكب في حق السلف، وهم منها برآء.
بقيت الإشارة إلى أن الرازي لما لم يرجح بين القولين حول مسألة اشتمال القرآن على ما لا سبيل لنا إلى العلم به - انتقده شيخ الإسلام على توقفه وحيرته وشكه ثم رد على أدلة المجوزين التي أوردها الرازي وسكت عنها. وأهم هذه الأدلة:
أقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران: من الآية7) والوقف لازم.
ب الحروف المقطعة المذكور أوائل السور.
ت خبر: "أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله ... " (¬2) .
وخلاصة ردود شيخ الإسلام عليها كما يلي:
أأما الآية فقد بين أن فيها قراءتين مشهورتين، قال: "ونحن نسلم قراءة من قرأ {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه} ، لكن من أين لهم أن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عني به المتكلم، وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه. وهو سبحانه وتعالى لم يقل وما يعلم معناه إلا الله، ولا قال وما يعلم تفسيره إلا الله، ولا قال وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله، ولا ما دل عليه إلا الله. قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ولفظ التأويل له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح
¬_________
(¬1) الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى (13/285-286) .
(¬2) انظر: ساس التقديس للرازي (ص: 176) - ط الحلبي. والحديث سبق بيان حاله (ص: 749) .