كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (اسم الجزء: 3)

فإن الحديث الصحيح لفظه: عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده"، فنفس ألفاظ الحديث نصوص في أن الله لا يمرض وإنما الذي مرض عبده المؤمن. ومثل هذا لا يقال: ظاهره أن الله يمرض فيحتجا إلى تأويل؛ لأن اللفظ إذا قرن به ما يبين معناه، كان ذلك هو ظاهره، كاللفظ العام إذا قرن به استثناء أو غاية أو صفة كقوله: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاما} (العنكبوت: من الآية14) وقوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن} (النساء: من الآية92) ونحو ذلك، فإن الناس متفقون على أنه حينئذ ليس ظاهره ألفا كاملة، ولا شهرين سواء كانا متفرقين أو متتابعين" (¬1) " (¬2) .
"فهذا الحديث قد قرن به الرسول بيانه، وفسر معناه، فلم يبق في ظاهره ما يدل على باطل، ولا يحتاج إلى معارضة بعقل ولا تأويل يصرف به ظاهره إلى باطنه بغير دليل شرعي، فأما أن يقال: إن في كلام الله ورسوله ما ظاهره كفر والحاد من غير بيان من الله ورسوله لما يزيل الفساد ويبين المراد، فهذا هو الذي تقول أعداء الرسل، الذين كفروا من المشركين وأهل الكتاب، وهو الذي لا يوجد في كلام الله أبداً" (¬3) .
وكثيراً ما يورد شيخ الإسلام هذا المثال، ولذلك بين المراد منه في مناسبات متعددة (¬4) .
¬_________
(¬1) علق المحقق -رحمه الله- على الآيتين، فأصاب في تعليقه على الأولى، دون الثانية، لأن المقصود بها أ، الناس متفقون على وجوب التتابع في صوم هذين الشهرين، وأن الإنسان ليس م خيرا بين صيامهما متتابعين أو متفرقين.
(¬2) درء التعارض (5/235-236) .
(¬3) انظر: المصدر السابق (5/233) .
(¬4) انظر: نقض التأسيس - مخطوط - (3/88-91) ، فقد أطال الكلام حوله، ورد على الرازي. وانظر أيضاً: درء التعارض (1/149-150) ، ومجموع الفتاوى (6/28) ، والاستغاثة (2/174، 356) ، والمحقيقة والمجاز - مجموع الفتاوى (20/433) ، والتدمرية (ص: 72-73) - المحققة.

الصفحة 1158