كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (اسم الجزء: 3)

والحق أن الإرادة نوعان:
أحدهما: نوع بمعنى المشيئة العامة، وهذه هي الإاردة الكونية القدرية، فهذه الإاردة كالمشيئة شاملة لكل ما يقع في هذا الكون، وأدلة هذا النوع كثيرة، منها قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} (الأنعام: من الآية125) .
فهذه الإرادة لا تستلزم المحبة، وليست بمعناها.
والثاني: نوع بمعنى المحبة والرضى، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: من الآية185) وهذه هي الإرادة الدينية الشرعية.
وهذه الإرادة هي المستلزمة للمحبة والرضى، وهي المستلزمة للأمر (¬1) . وعلى هذا فبالنسبة لوقوع المراد، وفي أي النوعين يتعلق - تكون الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت بن الإرادتان الكونية والدينية، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فهذه مرادة دينا لأنها أعمال صالحة مأمور بها، ومرادة كونا لأنها وقعت.
الثاني: ما تعلقت به الإاردة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الطاعات والأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار ولم يأتوا به، فهذا مراد شرعا لأنها من الأعمال الصالحة، وغير مرادا كونا لأنه لم يقع م الكفار والعصاة.
الثالث: ما تعلقت به الإاردة الكونية فقط، كالمباحات والمعاني التي لم يأمر بها الله إذا فعلها العصاة. فهي غير مرادة دينا، ولكنها مرادة كونا لأنها وقعت.
¬_________
(¬1) انظر: في ذلك مراتب الإاردة - مجموع الفتاوى - (8/88-190، 197) ، ومجموع الفتاوى (8/22-23، 44، 474-476) ، والرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى - (6/115-116) ، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى - (17/101) ، ومنهاج السنة (1/360) ، مكتبة الرياض الحديثة - (3/90، 102) ط بولاق ومجموع الفتاوى (18/132) ، وما بعدها، والتسعينية (ص:270) .

الصفحة 1318