كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة (اسم الجزء: 3)

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الاسراء: من الآية15) .
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
النوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين} (الصافات:103) حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضى عنك وسخط على صاحبيك" (¬1) . فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس الأمور به.
وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب" (¬2) .

وشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقاً فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان:
أحدهما: كون الفعلا ملائما للفاعل نافعا له أو كونه ضارا له منافرا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (¬3) .
الثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:
- فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.
¬_________
(¬1) متفق عليه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع ورقمه (3464) الفتح (6/500) ، ومسلم كتاب الزهد ورقمه (2964) .
(¬2) مجموع الفتاوى (8/434-436) .
(¬3) انظر: المصدر السابق (8/90، 309-301) ، ومنهاج السنة (1/364) - مكتبة الرياض الحديثة.

الصفحة 1321