كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

103…قارة إلى أخرى، أو من بيئة إلى بيئة أخرى تختلف في أوصافها عنها كلياً، كما حصل يوم كانت الهجرة الأولى في الحبشة، وإن كانت تختلف بعض الشيء في المناخ أو التربة أو بعض خصال أبنائها.
بل هاجروا إلى منطقة وبيئة ومجتمع لها كل الصفات والخصائص التي لمنطقتهم وبيئتهم ومجتمعهم التي كانوا فيها.
بل كانت لهم مع أهلها علاقات ومصاهرات جعلتهم يألفونها ويقدرون على العيش فيها وبين أهلها دونما عائق لغوي أو تقليدي أو ديني أو اجتماعي.
ولقد كان التفكك بارزاً بين سكان المدينة، فلم يكن اليهود على انسجام مع القبائل العربية الموجودة في المدينة.
وكان الصراع عنيفاً بين قبيلتي الأوس والخزرج.
وكان لكل فئة من قبيلة، بل وفرد من عشيرة شأنه ومصلحته ونزوعه.
وكان أجلى ما يكون عليه هذا التفكك حالهم في الإعتقاد حيث كان لكل فرد إلهه في بيته أو خيمته، فكان فساد العقيدة واضحاً، ثم انحلال الرابطة الاجتماعية وانتشار المفاسد الخلقية والعادات الذميمة، وانعدام مفهوم الأمة والسلطة والقانون، وضعف الصلة بين الفرد والجماعة.
وكان مع ذلك التحفز النفسي موفوراً لدى الكثيرين منهم بحثاً عن الأفضل، وسعياً لتحقيق الوضع الاجتماعي والسياسي الأمثل.
وكان الاستعداد لدى الغالبية عظيماً لتلقي الخير والاستماع إلى الأحسن، كما كان الاندفاع شديداً نحو اكتشاف القائد الحكيم والموجه البصير والراعي الشفيق الذي يمكن أن يوحد كلمتهم ويجمع صفوفهم.

الصفحة 103