كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

106…ويفهم من هذه الآيات الثلاث أن الإسلام دين معبر عن جميع الملل التي جاء بها الأنبياء والرسل، وإنه هو جوهرها الأساسي وروحها العام الذي تتفق فيه وتلتقي عنده.
وهو العام الضامن لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة بما احتواه من منهاج وتكامل في الاعتقاد والتشريع والتأديب والتربية الإنسانية.
ولذلك فإنه لدى اقتحامه مهمة الإصلاح كان ذا تصور متكامل للمجتمع الذي يشاء أن يقيمه ويحقق به مصلحة الإنسان، فرداً وجماعة شعباً ودولة في مظلة شريعة سامية جامعة لبنود الخير والصلاح وهو ما أخبر به القرآن الكريم في قوله تعالى:
(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (1) وقوله تعالى أيضاً:
(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعضٍ والله وليُ المتقين، هذا بصائر للناس وهدىً ورحمةٌ لقومٍ يوقنون) (2).
فهو لم يدخل مجتمع المدينة بفكر مبعثر، وتصور ضائع زائغ لا يدري من أين يبدأ وكيف يتصرف، وإلى أين يتوجه.
ولو كان كذلك لكان أكثر ضلالاً من أولئك الذين كانو يحملون الفكر الجاهلي والاعتقاد الجاهلي في مكة والمدينة وغيرها من أطراف الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام.

__________
(1) الشورى / 13.
(2) الجاثية / 18 - 20.

الصفحة 106