107…لقد دخل الإسلام المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناً مستكملاً العناصر الأساسية للبنية الإنسانية الفردية الصالحة، وللأصول والمبادئ الهامة للتنظيم الاجتماعي والسياسي والمالي للأمة الواحدة المستوفية لشرائط الوجود العزيز والكيان القوي الكريم.
ومن أول يوم دخل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة أعرب بثاقب فكره وعميق نظرته عن هذا المفهوم عندما حاول بعض زعماء سكان المدينة من الأوس والخزرج إجراء الضغوط عليه لينالوا شرف استضافته، فلم يشأ أن ينزل عند أحدهم بمحض اختياره فيقع فيما يقع فيه كل الذين يمرون بمثل هذه التجربة، من نقد أو عتب لتفضيله النزول عند هذا الزعيم دون ذاك، ثم ينجرف من حيث يريد أو لا يريد على مدى الزمن في خلافات لا تخلو من أن تترك بصمات مؤثرة في التحاقد والعداوة ...
ولذلك فقد حدثتنا كتب السيرة فيما رواه هند بن سعد بن سهل بن حنيف من حديث علي رضي الله عنه أنه أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن وادي رانوناء فكانت أول جمع صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف فقال: يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، فقال: "خلو سبيلها فإنهامأمورة" فخلوا سبيلها، أي ناقته، فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة، فقالوا:
يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة قال: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة" فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعد، فقالوا له مثلما قال له الأوائل وأجابهم بمثل ما أجاب أولئك.
ثم مر على بني الحرث بن الخزرج فاعترضه…