كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

108…رجال منهم ثم رجال من بني النجار وكان يتكرر منهم ومنه ما حصل من السابقين، إلى أن بركت الناقة عند دار بين مالك بن النجار على باب مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذٍ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، ثم قامت وسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها ورجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ووضعت جرانها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله، حتى بنى مسجده ومساكنه" (1).
ثم توالت من بعد ذلك خطواته الرائدة في البناء والإصلاح ...
ولقد كان من أولى الركائز التي اعتمدها الإسلام في برنامجه الإسلاحي والتنظيمي للأمة وللدولة والحكم، تصحيح العقيدة لدى اتباعه المؤيدين وبناء المسجد، وتقرير المؤاخا بين المهاجرين والأنصار ثم بين المسلمين من جهة وعقد حلف الموادعة مع يهود المدينة.
وذلك لما لها من فضل في تعزيز انطلاقة الإسلام ومجتمعه الحديث.
تصحيح العقيدة:
ولا جرم أننا قد رأينا من قبل ما كان عليه عرب المدينة من الأوس والخزرج وسواهم من معتقد، فقد كانوا وثنيين كدأب غيرهم من عرب الجزيرة عامة.
وكانت الوثنية قد رسخت في نفوسهم وقلوبهم رسوخاً جمد عقولهم وعطل مواهبهم الفكرية إلىحد بعيد، بعد أن التزموا قاعدة تقليد الآباء والأجداد والإصرار علىاتباع آثارهم في كل شيء حتى كان قولهم المأثور الذي نقله لنا القرآن الكريم في قوله تعالى:
(إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون) (2).
ولقد سولت لهم هذا…
__________
(1) الروض، الأفق للسهيلي 2/ 11.
(2) الزخرف /22.

الصفحة 108