كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

110…وبالشلل، بدليل قوله تعالى:
(إنهم ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون) (1) كأنهم كانوا مسحورين أو مجذوبين إلى ذلك، وبدليل قوله تعالى حول حادثة تكسير إبراهيم عليه السلام لأصنام قومه وعليق فأسه على رقبة كبيرهم بعد أن أعفاه من الكسر لأمر يريده:
(قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم.
قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعو إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) لأنهم تأكد لهم منطقياً وعقلياً وبصورة عفوية التمعت في عقولهم نورانية الحق، خطأ ما هم عليه من العبادة لهذه الحجارة والتعظيم لها، وهي لا تملك لنفسها نفعاً ولا تقدر أن تدفع عن ذاتها أذى ولا ضراً.
فبادروا إلى هذا القول ..
ولكنهم سرعان ما عادوا بفعل تأثرهم بتقليد الآباء وجمودهم عنده كما في قوله تعالى:
(ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) حتى اضطر إبراهيم عليه السلام لأن يقول لهم:
(أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) (2).
وهكذا فقد اضطربت بشكل عام لدى الإنسان الجاهلي موهبته الفكرية فران على قلبه سوء سلوكه وغشي بصره وعمي عن الحق وتاه في فيافي خرافات الوثنيةوأساطيرها ودعاويها الباطلة.
بل لقد هان هذا الإنسان الوثني على ذاته ففرضت عليه صغارها، وسولت له الإسترخاء إلى فسادها والإرتياح إلى واقعها الضال حتى عاش الناس في فوضى…
__________
(1) الصافات / 69 - 70.
(2) الأنبياء /59 - 67.

الصفحة 110