كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

112…العربي الجاهلي والعربي المعاصر:
ولعلنا نستطيع عقد بعض أوجه المشابهة بين طبيعة العربي الجاهلي والعربي المعاصر، وظروف حياتهما، فقد كان معروفاً بأن العربي بطبيعته لا يطيق القيود ولا يألف النظام، ويميل كلياً إلى العيش في ظلال الحرية ويتطلبها في كل مراحل حياته وأحوالها بحيث لا يتسهل الرضوخ لسلطان، أو الخضوع لنفوذ.
ولئن كان الإنسان العربي المعاصر الذي يعيش في وطنه في مظلة نظام وحكم يخيل إليه أنه يتمتع بكامل حريته، فهو يملك حرية الإعتقاد، وحرية الفكر، وحرية الحركة والعمل واختيار النظام الذي يشاء في السياسة والتربية والاقتصاد والصناعة، فإن ذلك كله يبقى في حدود، بينما يظل في حقول أخرى غارقاً في مستنقع الضعف ومكبلاً بقيود التبعية لقوى ومحاور تتخطاه وتحكمه وتسترق جهوده وطاقاته.
وإن جميع أنظمة الحكم في الشرق العربي والإسلامي علىالرغم مما أحرزته من قدرة على تسيير دفة الحكم في جميع الحقول حتى بدت وكأنها تمسك بالأزمة كافة، وتهيمن علىمقاليد المجتمع في محتلف الميادين، فإنها في الواقع ما فتئت خاضعة للقيود الاستعمارية وأسيرة لما تلزمها به منها الدول الكبرى بشكل مرئي أو خفي ..
وعليه، فإنه إذا كان العربي في جاهليته يعبد الأصنام الحجرية أو غير الحجرية، ويرهب جبروتها ويسعى لكسب رضاها أو تفادي ضررها وخطرها.
ويعيش نهارهوليله وأيام حياته كلها تحت كابوس الخوف منها، وفي هاجس الرعب من نقمتها، فإن العربي في عصره الحديث يخضع لأنظمة عربية أو إسلامية، ما تزال تعيش هذا الكابوس وهذا الهاجس مع…

الصفحة 112