كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

113…الأصنام الاستعمارية التي تحكم مناهجه السياسية والتربوية والاقتصادية والصناعية والثقافية والإعلامية وغيرها ...
وإن الشعوب العربية والإسلامية في الشرق بل وفي غير الشرق يتراءى لها وكأنها تعيش في أوطانها وفي مجتمعاتها عيش الحرية والإستقلال، ولكنها في الحقيقة وواقع الأمر تجهل في غالبيتها أنها واقعة في قبضة الاستعمار القوية التي لا يراها ولا يحس بها إلا العالمون تماماً كما كان يتراءى للإنسان العربي في جاهليته وفي أوطانه أنه في ربوعه وبين مضاربه يمارس حريته الشخصية المطلقة التي لا يقيدها شيء في الوقت الذي كان فيها ساقطاً في قبضة الوثنية وأصنامها من الحجر والبشر وغيرها التي كانت تهيمن علىكل ما لديه من فكر ونزوع وإحساس.
ولئن كانت الأنظمة العربية والإسلامية لا تطيق حتى هذا التاريخ إنجاز مشاريع تصنيعية تكفل لشعوبها الحصول على ما يحقق لها الكفاية الذاتية في كل ما تحتاجه من وسائل العيش والتعامل، والمحافظة على مفهوم الحرية الصحيح، فلا تملك إنتاج الحديد وتصنيعه من الإبرة حتى السيارة والطيارة والتراكتور والدبابة ومختلف الأسلحة الدفاعية والهجومية عند الاقتضاء، ولا ما سوى ذلك من المواد التي تفتقر إلى تعاطيها جموع الإنسان في كل مكان من هذا الشرق الفسيح في طعامهم وشرابهم ولباسهم وفي مجالات الصحة والثقافة والتربية والإعلام والخدمات العامة وسواها، بل لا يسمح لها بالإتجاه إلى ذلك، فهل يمكن أن يقال إن هذه الشعوب تعيش عيش الحرية بمفهومها الدقيق.
لقد كان أخطر ما كان يعانيه الإنسان العربي في جاهليته خضوعه للعقيدة الوثنية واسترساله في التأثر بأجوائها المختلف التي أشرنا إلى…

الصفحة 113