كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

114…بعضها من قبل.
ولذلك فإنه لم يكن بمقدوره الخروج من هذا السجن الكبير إلا بثورة فكرية دينية واضحة المعالم تكسر له قيوده الثقيلة وتكشف عنه أسداف الظلام ليرى الحق أبلج واضحاً، ويتنفس هواء الحرية، وينطلق في حياته وهو مالك لكل ما آتاه الله من عوامل القوة والثقة بالنفس لوطاقاته الفكرية كاملة ..
فضل عقيدة التوحيد:
وقد تحققت هذه الثورة البيضاء على يد الإسلام الذي أشرق أول إشعاع له من قمة حراء عندما تنزل الوحي الإلهي على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام وأعلن اصطفاء الله تعالى له وبعثته إلى الناس جميعاً مبشراً بوعد الله له بالدعم والعون وتحقيق الهداية إلى الحق والنصر، ومنذراً من عاقبة الإعراض عنه في الدنيا ثم في الآخرة.
ومن غار حراء كان إعلان أول ركائز هذه الثورة، بل أول ركائز الإصلاح الذي جاء يحمل رايته لتطوير المجتمع الإنساني ودفعه في مجالات التقدم والإزدهار ...
وكانت هذه الركيزة أنه لا إله إلا الله ولا معبود سواه وأن محمداً هو رسول الله إلىالعالمين ليبلغهم رسالة ربهم وليتلو عليهم آياته ويعلمهم ويزكيهم بعد ضلال مديد ورجس طويل.
ولقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة يدعو قومه ويوجههم إلى رسالة ربه، ينفرهم من عبادة الأوثان، والآلهة والأرباب المتفرقة ويحضهم على الإقبال على الله، على الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والذي بيده الملك والخير وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
الله الكبير المتعال الذي خلق الموت والحياة والذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار…

الصفحة 114