كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

120…انتزاع الإنسان من بؤرة الجاهلية الجهلاء، وإخراجه من نية الشرك وضلالة المبين وتوجيهه إلى عبادة الحي القيوم، ثم ترسيخ هذهالعبادة في قلبه ونفسه.
العبادة أصل كل فلاح وكل عمل:
وقد اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبني مجتمعه الجديد في المدينة المنورة في تعزيز ظاهرة العبادة هذه، وتأكيد معانيها ومعالمها في كل شيء بحيث جعلها أصلاً لا يجوز في شكل من الأشكال نسيانه ولا الغفلة عنه.
لأنها أصل تحرر المؤمن من كل ما حوله من مغريات الدنيا ومشوقاتها.
فكلما التصق العبد بربه وخلص اتجاهه إليه وقوي طمعه فيما عنده من فضل ورحمة ازدادت عبوديته له صفاء ونقاءً وقوة ومضاءً.
ووهبته تحرراً مما سواه لأنه وجد كل حاجته عند الله، ويئس من أن تكون له عند غيره واغتنى قلبه عنه كلياً.
وما أجمل قول من قال: "استغن عم شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره".
فعبودية العبد لربه كاملة عن يقين تخلى قلبه عن الطلب من سواه والاحتياج إلى من عداه.
وما أجمل قوله صلى الله عليه وسلم:
" من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (1) وقوله:
"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
ومن كان يحب المرء لا يحبه إل لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر…
__________
(1) رواه أبو داود.
(2) أخرجه أحمد عن البراء والطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود وفي "الصغير" عن ابن مسعود.

الصفحة 120