كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

126…هذا الهدف لا يكون مضموناً بالنزوع الفردي والإنعزالي كما كان حال العرب في الجاهلية في المدينة وغيرها من الجزيرة العربية.
بل بتهيئ كل الظروف التي تدفع بالإنسان للقاء أخيه الإنسان ومحاورته والتشاور معه ومشاركته الفكر فيما ينفعهما ويصلح أمريهما ومجتمعهما.
ولقاء الإنسان لأخيه الإنسان ليس مضمون العاقبة دوماً بل كثيراً ما يكون في غير الظروف المحمودة.
ولذلك فقد كان لا مناص من أن توجد له الأجواء الفاضلة والأحوال التي توحي بأرق المشاعر وأحلاها وأكثرها استعداداً للأخذ والعطاء في ظلال من الود والتحاب والإخاء.
وليس كالمسجد مكان يمكن أن تتوفر له الأجواء الطيبة التي تفوح منها نسائم التقارب والتعاطف دونما مقابل ومن غير ما حساب أو بحث ن الكسب المادي.
فهو المكان المبارك الطاهر الذي ينسى فيه الإنسان دنياه وما فيها من إغراءات ومظاهر اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد ومعطيات الجاه وسعة السمعة وسموها، ويتجه بكليته غلى خالقه ومالك أنفاسه بخضوع وذلة وضراعة ليفوز برضاه وعفوه، ومثل هذه الحال عندما يصل إليها الإنسان يكون قد أحرز وصفاً ووضعاً فيها الكثير من الصفاء والنقاء ونبل الطوية وخلوص النفس، ويكون قد سما غلى مستوى روحي رفيع لا يتيسر له الوصول إليه في الأماكن الدنيوية الأخرى.
وشتان بين اللقاء الإنساني الذي يتم في المسجد بين الجموع البشرية، واللقاءات الأخرى التي تتم في النوادي والقاعات العامة والبرلمانات ومجالس الشورى وغيرها فذلك لقاء أحاطت به بركات السماء وشحنت في نفوس أفراده من داخل كل واحد منهم أحاسيس…

الصفحة 126