كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

143…فعل الأنظمة والتشريع عند فقدان التآخي:
وما قيمة المجتمع إذا فقد أفراده مفهوم التآخي بينهم؟ بل وما أثر القوانين والأنظمة ومبادئ التشريع التي تهدف لإقامة العدالة بين الناس في المجتمع إذا قست قلوبهم وانعدمت فيها نسمات الأخوة؟.
إن قيمة المجتمعات في الأساس بما يكون بينها قائماً من أسباب التفاهم والتواصل والترابط كوحدة اللغة والجنس والدين والمكان والأخوة في الأصل.
لأن المجتمع هو في الحقيقة مجموع عائلات تترابط فيما بينها برباط الأخوة والنسب.
وإن سلطة الدولة مستمدة في الأساس من توافق هؤلاء وأولئك وتراضيهم.
وأنى يكون التوافق والتراضي إذا لم يسبقهما في العمق تآخٍ عريق يدفع بهم إليهما.
ولقد لحظ الرسول صلى الله عليه وسلم كل هذه المعاني وغيرها لدى إرساء القواعد الأولى لبناء مجتمعه الجديد ووضع أنظمته الاجتماعية والسياسية والإقتصادية والتربوية.
ولئن كان صلى الله عليه وسلم قد أفلح في إحكام الروابط بين أفراد مجتمعه الجديد وفئاته على اختلاف مشاربهم، وجنى ثمارها بتعزيز وحدتها وقوتها ومنعتها وقدرتها الدفاعية والقتالية عند الإقتضاء فلأنه أحسن العمل في خطوته الأولى وأرسى فيهم أخوة الإسلام والإيمان ..
فالأخوة بين أبناء المجتمع الواحد، والشعب الواحد والأمة الواحدة، ركن أولي لمتانة نهضتهم وتماسك بنيانهم، وإن كان كمال هذا البنيان يفتقر إلى أركان أخرى وشروط وعوامل لا محيص عنها.
وإن سقوط الأمة وتهاتر بنيانها قد يكون في بعض مراحل حياتها حتى مع وجود أصول هذه الأخوة في أعماق نفوس أبنائها.
بيد أن ذلك يكون…

الصفحة 143