كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

149…إليه، ولعله أحوج إليه الآن.
ولما جاء المغرب أهدى إليهم رجل شاة بقرامها، وهو ما كانت العرب تفعله إذا أرادوا شواء شاة طلوها من الخارج بالعجين حفظاً لها من رماد الجمر.
فقالت لبريدة كلي هذا خير من قرصك " (1).
وهذه القصة والتي سبقها وكثير غيرها في قصص التاريخ الإسلامي ونوادره تدل كلها على ما تركته التربية الإسلامية الموجهة من القرآن الكريم والسنة المطهرة من أثر محمود في تطبيع نفوس المؤمنين وتأديبهم وشحن أفكارهم بمعاني الأخوة الخالصة، وما أوجدته فيهم من تهيؤ لحمل مسؤولية الحياة الجماعية بوعي وصدق وشجاعة وتضحية عز نظيرها في تاريخ الإنسان القديم والحديث.
ولقد كان من أفضال زرع هذه الأخوة في نفوسهم أن سمت بها كل السمو ورقت كل الرقة وصفت كل الصفاء من ملابسات الغش والنفاق والميل إلى الشر والفساد، ومالت كل الميل إلى البر والتقوى والعمل الصالح.
روى الزهري عن أنس قال: "كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه بيده الشمال.
فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى.
فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل علىمثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبع عبد الله بن عمرو بن العاص الرجل، فقال: "إني لاحيت ابي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت ..
قال: نعم ..
قال…
__________
(1) أضواء البيان للجكني الشنقيطي 8/ 72.

الصفحة 149