كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

150…أنس:
فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار - تقلب على فراشه - ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر فقال عبد الله:
غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً.
فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله:
لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات:
" يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " فطلعت أنت الثلاث المرات.
فأردت أن آوي غليك لأنظر ما عملك فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كبير عمل.
فما الذي بلغ لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت! فلماوليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه " (1).
تلك بعض آثار الإخاء الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم كركيزة أساسية في بناء مجتمعه الإسلامي الحديث فكان أروع بادرة تأسيسية اجتماعية وسياسية سنها الإسلام في تاريخ بناء الأمم، وكان نعمة فائضة البركة ساقها الله إلى المسلمين ومنً عليهم بها فقال: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ".
إخواناً في العقيدة التي لا تفرق الناس إلى طبقات وأجناس وألوان وأصناف بل تدعو إلى أخوة أصولها وحدودها المشاركة في الإنسانية والمشاركة في الإيمان بالله الواحد الذي له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
أخوة تدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتحاور الناس قدير.
أخوة تدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتحاور الناس بالتي هي أحسن حتى مع المعتدين لأن أبناءها لا يحاربون للفتح ولا للسلب والنهب ولا للقهر والإذلال، بل للدفاع عن الذات والدفاع عن…
__________
(1) السيرة النبوية لابن كثير 6/ 606.

الصفحة 150