كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

151…القيم والفضائل وليتعلم الناس الخير ويلتزموا سبيل الرشد ...
عمق هذه الأخوة في أيامها الأولى:
على أننا لا يسعنا أن نقفل الحديث عن هذه الأخوة وظاهرتها العجيبة في تاريخ إنشاء الأمم قبل أن نورد ما يؤكد أن طليعة الأيام التي أنشأ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأخوة بين المؤمنين تثبت أنها كانت في غاية المتانة والمنعة، حتى أنها رسخت أيضاً على أسس مادية، وترتب عليها حكم شرعي واستمرت كذلك حتى كانت وقعة بدر الكبرى.
إن لهذه المنعة في أيام الإسلام الأولى ما يبرره وبخاصة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينشىء مجتمعه من مجموعة نخر في أفرادها سوس العداوة والحسد والتنافس والتفاخر.
فلا بد من أن تكونالبداية شديدة وحازمة وراسخة حتى تنفي كل دخل وفساد.
ولا بد من اتخاذ كل الإجراءات التي تحكم الرباط بين هؤلاء وتزيد في عوامل الإلتحام والتعاون.
ومن أجل ذلك ورد أن الله سبحانه وتعالى جعل في الأيام الأولى، حق الميراث منوطاص بهذا التآخي، دون حقوق القرابة والرحم.
وقد نقل ابن سعد في الطبقات أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم علىالحق والمؤاساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام ..
فلما كانت وقعة بدر أنزل الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله إن الله بكل شيءٍ عليمٌ) (1) فنسخت هذه الآية هذا التوارث في المؤاخاة ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه " (2).

__________
(1) الأنفال 75.
(2) الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 238 بتصرف.

الصفحة 151