155…وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وأن أي حدث يكون بينهم جميعاً، أواشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وغلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا تجار قريش ولا من ناصرها (1).
وقد استنفدت المساعي حتى ضمنت هذه النتيجة فترة من الزمن تمكن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من توثيق صلاته بهم.
قال محمد حسين هيكل:
إنه "بلغ من ذلك أن كانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس قبلة أنظارهم ومثابة بني إسرائيل جميعاً ...
كما أن سيرته وعظيم تواضعه وجميل عطفه وحسن وفائه وفيض بره بالفقير والبائس والمحروم، وما أورثه ذلك من قوة السلطان على أهل يثرب.
كل ذلك وصل بالأمر بينه وبينهم إلى عقد معاهدة صداقة وتحالف وتقرير لحرية الاعتقاد.
معاهدة هي في اعتقادنا منالوثائق السياسية الجديرة بالإعجاب على مر التاريخ " (2).
وبخطوة الموادعة هذه مع جواره اليهود في المدينة، أجهز الرسول صلى الله عليه وسلم ولو بصورة مؤقتة على أي احتمال يكون لنشوء اضطراب بين ابناء المدينة جميعاً، بين المسلمين بعضهم مع بعض أو بينهم وبين اليهود من طرف آخر، وضمن الأمان والسلام في ربوع مجتمعه الجديد واطمأن إلى نجاح خطته التي كان يهدف بها إلى الوصول لتنقية كل الأجواء المحيطة بمناخ دعوته من رياح السموم والعواصف المزعجة لتنطلق دونما عائق أو مثبط ظاهر.
بل ليحمي ظهره وجوانبه ويأمن من أي انقضاض يكون عليه من الداخل، في الوقت الذي يتطلب منه ظرفه الجديد أن يكون على أهبة الاستعداد لأي هجوم عدواني مفاجئ يكون…
__________
(1) السيرة النبوية لابن كثير 2/ 322.
(2) حياة محمد لمحمد حسين هيكل / 238.