كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

157…في التي لحقت به.
فهو صلى الله عليه وسلم فريد عصره ودهره كله في الدنيا كلها في نبله وشرف مقصده ومستوى علمه وأدبه وخلقه وحكمته وحسن سيرته وسياسته وقوة شخصيته.
ولذلك كان التفاف المؤمنين به عظيماً وعجيباً حتى قال فيه عروة بن مسعود، بعد من سفارته لقريش يوم الحديبية:
" يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه.
وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيٌْ إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبداً فروا رأيكم" (1).
ولذلك فقد أصبح محمد صلى الله عليه وسلم القدوة والمثال لكل المؤمنين من حوله.
ولكل المنصفين على الدهر ممن يقرءون له وعنه.
رغب عن الدنيا في سبيل نشر دعوته، وللتفرغ لربه ولإخراج الناس من ظلمات الجهالة والضلالة إلى نور العلم وهدى الإيمان.
فعاش صابراً ومناضلاً ومجاهداً وضحى بكل ما يملك ليفوز بأمرين اثنين:
رضا ربه أولاً ثم هداية الناس إلى عبادة الله الواحد القهار وتوجيههم ليسلكوا في الحياة سبيل التفاهم والتعاون والتحاب في ظلال تقوى الله ثانياً.
مع هذه القيادة الرائدة الحادبة، وجد سكان المدينة ما كانوا ينشدونه، وتحقق لهم ما كانوا يتطلعون إليه، فالتقوا على الإيمان بالله وتقواه وعلى محبة بعضهم لبعض فكانوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
وبتوجيهه وإرشاده تبدلت معالم حياتهم فانقلبت فرقتهم إلى وحدة وضلالهم إلى هدى وخصومتهم إلى أخوة وضعفهم إلى قوة وعز ومجد ..

__________
(1) حياة محمد لمحمد حسين هيكل 378، وعيون الأثر لابن سيد الناس 2/ 153.

الصفحة 157