كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

177…ورد في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده.
فقولوا عبد الله ورسوله ".
وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أنس ابن مالك أن رجلاً قال: "يا محمد‍‍ يا سيدنا وابن سيدنا‍‍ وخيرنا وابن خيرنا‍‍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان.
أنا محمد بن عبد الله عبد ورسوله.
والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" (1).
ولقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم أيامه كلها وهو في قمة التوسط والإعتدال في سلوكه وتعامله وفي قوله وفعله وفي طعامه وشرابه ولباسه وفي مسكنه.
ولقد مات وهو على ذلك، وقد تبعه أصحابه من بعده وبالذات الخلفاء الراشدون فقصوا أثره إلى حد بعيد، فلم يخرج منهم أحد عن الحدود المشروعة في الدين والاعتقاد والسلوك.
حتى ولم يرو عنهم شيء مما يروى عن كبار الصوفية من القول والفعل الغريبين عن خط الشريعة الواضح.
وقد قال ابن تيمية:
" وأكابر الأولياء كابي بكر وعمر والسالفين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يقعوا في هذا الفناء فضلاً عمن هو فوقعهم من الأنبياء، وإنما وقع شيء من هذا بعد الصحابة.
وكذلك كل ما كان من هذا النمط سما فيه غيبة العقل وعدم التمييز لما يرد على القلب من أحوال الإيمان.
فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أكمل وأقوى وأثبت في الأحوال الإيمانية من أن تغيب عقولهم أو يحصل لهم غشيٌ أو صعق أو سكر أو فناء أو وله أو جنون.
وإنما كان مبادئ هذه الأمور في التابعين من عباد البصرة، فإنه كان فيهم من يغشى عليه إذا…
__________
(1) تفسير القاسمي 3/ 171.

الصفحة 177