كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

193…فيقول: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيءٍ عليم) (1) وهي أيضاً فاتحة لرحمة الله:
(وهذا كتاب أنزلناه مباركٌ فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) (2).
وهي في الحقيقة أم الخير واساس البر وهي معين الراحة الروحية والنفسية والمدد الرباني في كل شيء فقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ابي الدنيا في كتاب التقوى عن زياد بن جدير قال: "ما فقه قوم لم يبلغوا التقوى" (3) دومنها تنفجر أصول الحكمة في القلوب وبها ينكشف كثير من الحجب ويستبين كثير من الأسرار والدقائق في خلق الله وصنعه وآلائه ..
وما أجمل الأمر الرباني في قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) (4) حيث جمعت للمتقي ضمان الرحمة والنور والمغفرة ...
ولو ذهبنا نستعرض في هذه العجالة منن الله تعالى بلباس التقوى الذي شاء لنا ارتداءه لا نحرف بنا الحديث عن غايته التي نقصدها.
ولكن حسبنا أن نقول إن صفة التقوى التي زرعها الرسول صلى الله عليه وسلم بوحي الله وتوجيهه في قلوب أتباعه منالمهاجرين والأنصار سكان المدينة إذ ذاك وحبات عقد مجتمعه الجديد، أحدثت في نفوسهم تطوراً غريباً وانقلاباً مذهلاً.
ويمقتضى هذهالصفة، صفة التقوى تكونت فيهم ملكة العلم والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة والبر بالضعفاء، فخرجوا من مدرسة…
__________
(1) البقرة / 282.
(2) الأنعام / 155.
(3) الدر المنثور للسيوطي 2/ 124.
(4) الحديد / 28.

الصفحة 193