199…وروى السدي أن رجلاً من الأنصار يقال له أبو حصين كان له إبنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الخروج، أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام:
فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكياً أمرهما ورغب في أن يبعث رسول الله من يردهما فنزل قوله تعالى:
(لا إكراه في الدين قد بين الرشد من الغي) ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب.
وقال "أبعدهما الله هما أول من كفر " فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه:
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (1).
وهاتان الواقعتان ليستا على سبيل الحصر، فهناك وقائع لا تعد ولا تحصى ولا سبيل إلى درجها هنا، ولكنها كلها تخرج من مشكاة واحدة، هي تأكيد الإسلام المحافظة على الحريات، والدفاع في وجه كل من يريد بها شراً، وبالذات في وجه الأنظمة القديمة والأعراف والعادات التي أهدرتها وأهدرت معها كرامة الإنسان فعومل في ظل الكثير منها معاملة الحيوان الأعجم.
القرآن والرسول المربيان:
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتابع مهمته التشريعية من خلال أسلوبه التربوي العظيم الذي كان يتخطى به اساليب العصر الحديث وذلك عن طريق طبع النفوس بأحلى الصفات وأجمل الخصال.
ولا غرو فالقرآن الذي كان يحدوه ويوجهه إلى الهدى والخير، كتاب تربية وتعليم، وبالذات عندما نراه يكرر القصة والحكم والحكمة، والإشارة الكونية…
__________
(1) المصدر نفسه 3/ 281.