كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

208…بحيث جاء حكمه الأزلي يسترعي وجدان الأبناء وكل ما يتوفر في قلوبهما من حب وبر، ويحضهما على تكريم الأبوين وبالذات عند بلوغهما الكبر وحالة الضعف والعجز، وذلك حتى لا تأخذ أحدهم وهو في سن الشباب والقوة آخذة الغرور والحمق ويتنكر لأفضال أبويه التي لا تنسى والتي لا يمكن أن تسامى بنبلهاوشرفها.
وقد أخرج الحافظ أبو بكر البزار بإسناده عن بريدة عن أبيه: أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: " هل أديت حقها " قال: لا ولا بزفرة واحدة " (1) وقد صح أن رجلاً جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد معه فقال: أحيٌ والداك؟ " قال: نعم. قال ففيهما فجاهد " (2).
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: " الصلاة على وقتها ". قلت: ثمً أي؟ قال: " بر الوالدين " قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله " متفق عليه (3).
وقد اعتبر الإسلام الإساءة إلى الوالدين وقطع الصلة بهما والإستمرار بذلك عقوقاً. وأنزل العقوق منزلة الكبيرة.
وقد ثبت ذلك في الحديث الذي سئل فيه صلى الله عليه وسلم عن الكبائر فقال: تسع: أعظمهن الإشراك وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار منالزحف، وقذف المحصنة والسحر، وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين المسلمين ".
فضلهما:
وكما اعتبر الإساءة إليهما عقوقاً، أبرز فضل برهما: فقد روي عن…
__________
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب 15/ 6.
(2) روح المعاني للألوسي 15/ 57.
(3) منهل الواردين 1/ 248.

الصفحة 208