كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

259…راكباً لها حتى داس بها على طرف البساط. ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، واقبل نحوه، وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه. فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: " إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني.
فإن تركتموني هكذا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها.
فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.
ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " (1).
وكان منهم أمثال ذلك الأعرابي الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً، وقال له: أهاجر معك. فأوصى به بعض أصحابه. فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فقسمه. وقسم للأعرابي، فأعطى أصحابه ما قسم له. وكان يرعى ظهرهم. فلما جاء، دفعوه إليه. فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فجاء به إل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسم قسمته لك " قال: ما على هذا اتبعتك. ولكن اتبعتك على أن أرمي ها هنا - واشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: إن تصدق الله ليصدقنك. ثم نهضوا إلى قتال العدو. فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقتول، فقال: " أهو هو؟ " قالوا:
نعم قال: " صدق الله فصدقه " (2).
لقد انقلبوا بفعل تربية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه هداة العالم ومنقذيه. وتلاشت بفضلهم من بعده الفروق بين الناس، فكان لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى. وفي أيامهم عرف الناس مفهوم التعاون والشورى والطاعة معرفة عملية.
واندفعوا يتنافسون في…
__________
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي 93.
(2) زاد المعاد لابن قيم الجوزية 3/ 190.

الصفحة 259