كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

260…
ميادين العلم والتفقه في الدين والحفظ والرواية والاجتهاد والفلسفة، ويسعون وراءها ضاربين في الأرض بحثاً عن العلم وطلباً للمعرفة ونشداناً لخدمة القيم والفضائل وترسيخ محاسن الأخلاق والآداب، حتى غدت عواصم الشرق بغداد ودمشق والمدينة والقاهرة وغيرها من مدنه حافلة بنوابغ العصور الإنسانية في الحفظ والجمع وفي العطاء العلمي والفلسفي والديني والتربوي، وسعيدة بما يظللها من الأمان والعدل وما يشيع فها من الوفرة والرخاء.
6 - حضهم علىالبذل والتضحية والإيثار:
ولقد كررنا أكثر من مرة أن العربي من سكان المدينة كان مشهوراً مثل سواه من أبناء الجزيرة بالحرص وحب الدنيا وحب عرضها من المال والجاه والأولاد.
ولقد كان لكل هذا آثاره السيئة في بيئتهم العربية حيث كان يفشو الطمع والجشع وكثير بسببهما الفتك والسلب والنهب.
وعمت الفوضى والاستهانة بحياة الإنسان حتى كانتالجزيرة العربية كما قيل كفتة حابل لا يدري الإنسان متى يقل، أو ينهب أو كما أخبر الله تعالى: (و لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم) (1) فانقلب عامة الناس وقد تسلط عليهم كابوس الجشع والحرص كأنما قد أصابتهم حمى الأثرة وتولد فيهم نهم إلى المادة لا يكفيه عطاء حلالاً كان أو حراماً.
ومعالجة هذه الظاهرة النفسية كانت من أصعب مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، وبالذات بعد هجرته إلى المدينة، فكان يراودها بالحكمة وببدائل أخلاقية يقيمها على إنقاضها كما رأينا من قبل.
وقد وفقه الله…
__________
(1) العنكبوت / 67.

الصفحة 260