261…تعالى إلى ذلك بما وهبه من أخلاق عظيمة، يتوجها سبر جميل، وحكمة رائدة، وعلم رباني رفيع.
ولم يكد يمضي على مقام الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة زمن طويل حتى بدت معالم آثار هذه الخصال النبوية الجامعة فيهم، وأخذ القوم يتبارون بالتعبير العملي عن الكرم والزهادة بعرض الدنيا وإيثار الآخرين على النفس، والتضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيل المبدأ الجديد والعقيدة الجديدة.
وهذا القرآن الكريم يسجل لناطرفاً من ذلك في قوله: (والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر غليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (1).
وتفرد البخاري بروايته عن أنس بن مالك أنه قال: " دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها ". فقال: " أما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثره ". وروى أيضاً بسنده عن أبي هريرة أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله؟ ". فقام رجل من الأنصال فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله. فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئاً. فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعاليْ فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة.
ففعلت. ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد عجب الله عز وجل - أوضحك - من فلان وفلانة ... " (3).
…
__________
(1) الحشر /9.
(2) تفسير ابن كثير 6/ 605.