كتاب مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها

72…وقد ثبت في التاريخ أن رؤساء القبائل البارزين والناجحين هم الذين كانوا يعيرون استشارة وجوه قبيلتهم الأهمية.
فلا يقبلون على اتخاذ قرار أو عزيمة سلباً أو إيجاباً إلا بعد أن يتحاوروا معهم فيها، ويصلوا معهم فيها إلى الإتفاق على الموقف الذي يختارونه ..
ولذلك رأينا قريشاً كانت كلما أرادت أن تتخذ موقفاً حاسماً من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو منه، تنادت إلى اجتماع دار الندوة حيث يتشاور فيها وجوه القوم وشيوخهم وذوو الرأي فيهم ويأخذون بالنتيجة القرار النهائي.
زومن ذلك قرار إرسال الوفد إلى النجاشي ليطرد المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، وقرار المقاطعة الذي اتخذوه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وقرار نقض الصحيفة والغزوات التي كانوا يقومون بها على المدينة.
ولقد كانت تقع مثل هذه الإجتماعات للتشاور بين زعماء اليهود، أو زعماء الخزرج، أو زعماء الأوس، في الملمات ولدى بروز الصعاب والمعضلات السياسية والإجتماعية، كما كان يوم بعاث، وبالذات يوم اختلف رؤساء الخزرج، وخرج عليهم عبد الله بن أبي بن سلول رافضاً القتال ومتخذاً موقفاً حيادياً لصالحه الشخصي ولصالح قبيلته، فاستطاع أن يحمي أمواله من الإعتداء عليها وأن يكسب لنفسه مركز مرموقاً في الجو المضطرب بين طوائف المدينة، حيث اتجهت إليه الأنظار كرجل يمكن أن يكون واسطة التجميع وحل النزاع (1).
ولاجتماعات زعماء اليهود للتشاور أكثر من خبر ومصدر يمكن الإستفادة منه.
ويكفي أن نورد هنا لذلك خبر يوم قريظة يوم أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم.
فقد قام كعب بن أسد…
__________
(1) مكة والمدينة لأحمد الشريف / 341 - 342.

الصفحة 72