كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب (اسم الجزء: 4)

أَقْرَنُ، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلاهُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُهُ وَأَجْمَلُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ، لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتِ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ، رَبْعَةٌ، لا بَائِنٌ مِنْ طُولٍ، وَلا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلاثَةِ مَنْظَرًا، أَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يُحْفُونَ بِهِ، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ [١] ، لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٌ [٢] .
قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هُوَ وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ بِمَكَّةَ، ولقد همت أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلا، فَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ [٣] :
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلاهَا بِالْهُدَى [٤] فَاهْتَدَتْ بِهِ ... فَقَدْ فَازَ [٥] مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فيا لقصىّ ما زوى الله عنكم ... ظبه مِنْ فِعَالٍ لا تُجَازَى [٦] وَسُؤْدُدِ
لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَقَامَ [٧] فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا ... فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ ... عَلَيْهِ صريحا [٨] ضرّة الشاة مزيد
فَغَادَرَهَا رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ ... يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ حَسَّانُ بْنُ ثابت جعل يجاوب الهاتف، وهو يقول [٩] :
---------------
[١] محفود: مخدوم.
[٢] مفند: يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة.
[٣] القصة والشعر في ديوان حسان بن ثابت صفحة ٨٦، وسيرة ابن هشام: ٢- ١٠١.
[٤] أ: بالنور وارتحلا به. وفي السيرة: بالبر.
[٥] أ: وأفلح. وفي السيرة: فأفلح من أمسى.
[٦] أ: لا تجاري. وفي السيرة، من فخار لا يبارى.
[٧] في السيرة: مكان.
[٨] في الديوان: له بصريح.
[٩] ديوانه: ٨٢.

الصفحة 1960

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text